تكنولوجيا اليورانيوم المنضّب (2)

كيف يؤثر اليورانيوم المنضّب على الناس؟!
قلنا إن الإشعاع الذي ينطلق من اليورانيوم، مثلما هو يغير ذات العنصر الذي ينطلق منه، فإنه كذلك يؤثر في نوى العناصر التي يصيبها، ويؤثر كذلك في أي مجال للشحن الاستاتيكي يمر به، ومنه مجال الشحن الاستاتيكي الذي يبني الذات الشحنية للإنسان في كيانه المادي.
فمثلما تكون الذرة هي وحدة بناء المادة، فإن الخلية في الكائن الحي هي وحدة بناء الكائن الحي.. وإن كل معاني الحياة مشفّرة في التصميم الكيميائي لبناء الحامض الريبوزي النووي الـ(DNA) الذي يشكل العمود الفقري لبناء النواة في خلايا الجسم وتتركز به كل معاني الحياة ومميزاتها وتوقيتاتها..
ولكي نفهم التأثير التخريبي المدمّر لليورانيوم المنضّب على الحياة، لابد لنا من الإطلاع على صورة الـ(DNA) حيث تكمن شفرة الحياة وفيها كل معانيها.
تصور بسيط للحامض النووي(DNA):
الـ(DNA) هو الاسم المختصر للحامض النووي الديكسوريبوزي الذي تتشكل به الشبكة الكروماتينية لأية نواة في الخلية الحية. ويمكن أن نصفه على الشكل التالي:
يتكون جزيء الـ DNA من شريطين متقابلين ومتماسكين يلتفان حول بعضهما بشكل ظفيرة حلزونية، وكل شريط منهما عبارة عن سلسلة من النيوكليوتيدات، والنيوكلتيد الواحد يتكون من سكر خماسي وفوسفات وقاعدة نتروجينية، وتتماسك النيوكليوتيدات المتعددة ببعضها داخل الشريط الواحد بواسطة روابط قوية، يصعب فكها بين الفوسفات والسكر الخماسي ليكون سلسلة متماسكة تمثل العمود الفقري للـ(DNA).
هذا يظهر على الجانب الخارجي للشريط أما على الجانب الداخلي منه، فتوجد القواعد النتروجينية الأربع التي تتكامل مع مثيلاتها من الجانب المقابل وتتماسك معها بروابط هيدروجينية ضعيفة من السهل انحلالها، وهذه القواعد النتروجينية الأربع يمكن تشبيهها بأربعة حروف تكوّن بتتابعاتها المختلفة أبجدية الشفرة الكامنة في الـ(DNA) لكل معاني الحياة ومورثاتها، والحروف الأربعة هذه المكونة للغة الحياة والتي نستطيع أن نقرأ معاني الحياة فيها من خلال دراسة تلك اللغة قواعداً وأدباً وتاريخاً والحروف الأربعة هي: الأدنين (A) والغوانين (G) والسيتوزين (C) والثيامين (T).
ومن خلال هذا التصميم الرباني المذهل في روعته ودقته وصرامة أوامره وتوقيتاته والبناء الهندسي البالغ الحكمة، نستطيع أن نتصور أن الـ(DNA) هو أشبه بملك أخرس يقبع في عرشه المحصن ولا يغادره، ورغم هذا فهو يحمل بين تصميم هذا العرش وهندسته، كل المفردات والأسرار التي تتعلق بكافة أوجه النشاط الكائنة في مملكته، ورغم أنه لا يغادر عرشه فهو يبعث برسل يحملون أوامره وتكليفاته إلى جميع الموجودين في المملكة، وهذه الأوامر تتعلق بتنظيم كل الأنشطة التي تدور في جنبات المملكة.
وهكذا هو الـ(DNA) في معاني الحياة ومورثاتها، ملك أخرس يقبع في النواة ورغم أنه يحمل بين طياته مفردات الأبجدية ولغة الحياة متمثلة في حروفه الأربعة، فإنه لا يستطيع أن يحولها مباشرة إلى كلمات أو جمل تعبر عنه وعلى هذا وصفناه بالأخرس، ولكن خرسه مؤقت فسرعان ما يعبّر عنه في بلوغ التوقيتات أو في بناء الجينات المورثة للصفات أو في تصنيع البروتينات التي تقوم بإنجاز المهمات في مواقع أخرى بعيدة عنه.
بعد هذه الصورة للملك (DNA) وعرشه، علينا أن نتصور أن لهذا الملك المادي في تصميمه وهندسته ظلاً مماثلاً تماماً من الشعاع ومجالاته داخل الظفيرة وخارجها حيث تتعاضد هالات الكهرباء الاستاتيكية المرافقة للذرات في مواقعها في قالب هذه الأشرطة المظفورة بتصميم الحاكم القادر وتدبيره وتقديره الدقيق سبحانه وتعالى.
فكل ذرة من ذرات العناصر في موقعها إنما هي موقع هالة شحنية في شكل ثابت من أشكال مجالات الطاقة الكهرطيسية متماسكة في ظل ثابت لبناء الـ(DNA)، فعرش ظل من مجال كهرطيسي ملازم لعرش مادي لهذا الملك الأخرس، هو بمثابة حقل حسّاس جداً يحفظ الملك ويعينه على حكم تام لمملكته.
إلا أن تعرض هذا الظل الشحني لإشعاع نافذ في حدود مقادير وشحنات كافية لزحزحته مغناطيسياً أو ضعضعته كهربائياً، فإن ذلك يؤثر تأثيراً بالغاً في واحدة من الوظائف التالية للـ(DNA) أو كلها:
تأثير طاقة إشعاع اليورانيوم على الحياة:
أولاً: تأثير طاقة إشعاع اليورانيوم على مجالات الظل الشحني المرافق للبناء المادي لظفيرة (مكمن شيفرة الحياة) بأشرطتها وحلزونها، مما يؤدي إلى تعطيل توقيتاتها الحيوية وبالتالي تعطيل وظائف أخرى في أماكن متعددة من الجسم الإنساني، أو أن الإشعاع القادم هذا قد يضغط على العرش الظل بما يجعله يقدم وظيفة على أخرى قد حان وقتها بالنسبة لوظائف الجسم ومعاني الحياة السليمة، وهذا يؤدي إلى غرائب في مميزات الحياة. تبدو حتماً في أعراض مرضية غير معتادة، فلا يمكن تشخيصها باعتبارها من غير الثوابت المعروفة في واقعنا، كما هو الحال في ما يعاني منه الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج من الغربيين صانعي هذا السلاح ومستعمليه، إذ يعانون من أعراض مرضية تبدو في اضطرابات وظيفية حيوية لا يعرفون لها سبباً، فبعدها لا تشخيص صائب وبالتالي فلا علاج ناجع إلا المسكنات للألم، وهو ما يحصل الآن وبكثرة عند عشرات الآلاف من العراقيين ضحايا القصف في حرب الخليج الثانية، ويفترض أن تكون هناك أعداد كبيرة من الضحايا في الكويت وفي السعودية إلا أن الإعلام لم يتطرق لها أو أغفلها بإيعاز.
ثانياً: تأثير طاقة إشعاع اليورانيوم إذا كانت بمقدار أقوى من الحالة الأولى؛ حيث يخترق الإشعاع التركيب الجزيئي للحامض النووي الـ(DNA) من خلال اختراق دائم لظله الشحني وتدميره مما يؤدي إلى زيادة في تكاثر الخلايا في الأنسجة المتعرضة للإشعاع لتعويض التالف وكذا يحصل في مواقع للأعضاء المتعرضة للإشعاع، متسبباً بمرض السرطان وبكل أنواعه وحسب مكانه ومواقع إصابته، مع أسباب أخرى تتعلق بالشخص وتتوافق مع قوته وضعفه.
ثالثاً: تأثير طاقة إشعاع اليورانيوم على تصميم الـ(DNA) في مواقع المورثات الجينية على الظفيرة وفي أي مكان منها، فتغير أي واحدة أو أكثر من القواعد النتروجينية من مكانها في السلسلة أو فقدانها أو تغير تتابع تسلسلها أو دوران موقعها بسبب قوة الإشعاع المخترق لبناء الـ(DNA)، أو فقدان حتى ذرة واحدة أو زيادتها، فإنه يؤثر في الصفة أو الصفات الوراثية المسؤولة عنها تلك المواقع والجينات المتغيرة بسبب الإشعاع، وقد يحصل ذلك بنتائج قبيحة لصور المواليد المشوهة والممسوخة.. كما تعرضه وسائل الإعلام العراقية من صور غريبة من مواليد ما بعد حرب الخليج كضحايا اليورانيوم المنضب، ولابد أنه سيبدو في قابل الوقت في يوغسلافيا وفي العراق من مواليد مشوهة، هي طوابع تذكارية حقيقية من واقع البشرية المعذبة ولمعاني سيادة العلم دون دين صادق لله سبحانه.. وإن هذه الطوابع التذكارية المؤلمة ستبقى الأرحام تطبعها وتقدمها للناس ولن يستطيع أحد أن يمحو آثارها ولأجيال كثيرة قادمة حيث أن فترة نصف عمر اليورانيوم وعناصر سلسلته المشعة حتى الرصاص، تبلغ بالنسبة للكتلة المستعملة في القذائف ملايين السنين، والله تعالى أرحم الراحمين.
إن على الإنسانية أن تنتبه إلى مخاطر استخدام هذا السلاح الخبيث الفتاك المروّع الذي يخرب بصمت ودون ضجة ولملايين السنين الإنسان والبيئة، وهو كما رأينا يؤثر على مستخدميه مثلما يؤثر على ضحاياه - ولو أن تأثيره أبلغ في الضحايا وأراضيهم لأنه شر مستطير والشر الحقيقي لا يفلت منه أحد، فهاهم جنود التحالف الذين استخدموه يعانون كما يعاني العراقيون، إلا أن الأثر النفسي في الظالم أشد وقعاً منه على المظلوم، أما الذين سلموا من الذين استعملوا هذا السلاح فهم حتماً لن يفلتوا من عذاب الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إن الرحمة هي علة الوجود، وسبب الحياة وميزة العقل، ولقد فقدت الإنسانية الرحمة باستعمال هذا السلاح الخبيث القاهر الدائم، وقد فَقَدَ مستعملوه ميزة عقولهم، وإلا فلِم يصاب المسلح بسلاحه؟! وكيف دمّروا أنفسهم وهم يريدون تدمير عدوّهم؟!.
وكان هذا السلاح سبباً في تدمير شفرة الحياة ومواقع أسرار معانيها، فهو سلاح موجه لأصل المعاني الحسنة في الكون، إذ بما فيه من إشعاع فهو يسهم في تدمير البيئة، وقد يسهم إذا شاع استخدامه في قادم الوقت في تلويث البيئة وزيادة الاحتباس الحراري الذي تعاني منه الأرض كظاهرة متزايدة التأثير الآن، مما يزيد في الفيضانات حجماً وعدداً في كل أصقاع الأرض، ويؤدي إلى زيادة في مساحات التصحر، وقلة الأمطار وشدة الجفاف الذي تعاني منه معظم بلدان العالم.
إن للمعاصي الموبقة هلكات، مثلما للطاعات ورضا الله تعالى خير وبركات فسبحان القائل: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) (المائدة: 65-66).
فيا أهل الكتاب احذروا الجبار قاصم الجبارين فإن له مكر لا يأمنه إلا الخاسرون (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون) (الأعراف: 99).
تزرعون البؤس والاستغلال والاستبداد في أراضينا ثم تتخذونها ذريعة لتلويث أراضينا لملايين السنين.. أي مكر عظيم هذا! لكننا نؤمن بالله تعالى القائل:
)استكباراً في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنّة الأولين فلن تجد لسنّة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا) (فاطر: 43).
المصـــادر:
الكيمياء: مقرر الثالث الثانوي العلمي - دمشق، الدكتور صلاح يحياوي وآخرون 1991م.
* الثورة الجينية: الدكتور محمد عفيفي، إصدار دار الهلال.
* الكيمياء الحيوية: الدكتور نضوح القطب وعبد الوهاب مأمون، جامعة دمشق.
* الكيمياء الحيوية: الدكتور عبد الوهاب مأمون، جامعة دمشق، مطبعة طربين.
* مجلة العلوم: الترجمة العربية لمجلة (Scientific american) تصدر عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.
 
* Milen.M.D (Bio chemical Disorder in Human Disease) New York, Acadimic press.
* Spencer. F (Aspects of Human Biology) London. Butter Worth and Company.
المصدر: 
بيوتات الكيمياء العضوية