توازن الرعب النووي ضمانة للتعايش السلمي

توازن الرعب النووي ضمانة للتعايش السلمي

نشوء الرعب النووي في الشرق الأوسط

نشأ طموح إسرائيل النووي في إطار حملة الهولوكوست التي قادتها عالمياً لإقناع العالم بمظلومية اليهود خلال عهد النازية.  وقد تُرجمت تلك الحملة السياسية الذكية عسكرياً ، على أنه إستناداً إلى القانون الدولي ، يحق لإسرائيل التسلح بالقنابل النووية ، للدفاع عن بقاء العنصر "السامي"!  بدأ برنامج إسرائيل التسليحي النووي مع بداية قيامها كدولة.  حيث تؤكد تقارير وكالة المخابرات المركزية على أن البداية كانت في عام 1949!  في ذلك العام تشكل فريق جيولوجي للبحث عن اليورانيوم في صحراء النقب جنوب البلاد ، تلاه تأسيس "الهيئة الإسرائيلية للطاقة الذرية" عام 1952 بإشراف عالم الفيزياء أرنست برجمان ، الذي تعهد في حينها "ألا يظل اليهود بعد اليوم خرفاناً تقاد إلى الجزار للذبح".  ولم يكتف الخبراء الإسرائيليون بتنقية اليورانيوم المستكشف في صحراء النقب ، بل طوروا تقنية خاصة بهم لإنتاج "الماء الثقيل" ، المادة النووية الهامة ، التي تدخل في صلب صناعة المفاعلات والأسلحة النووية.  خارجياً إستعانت إسرائيل في البداية بخبرة الفرنسيين وعقدت معهم إتفاقية نووية كان من نتائجها بناء أول مفاعل فرنسي في إسرائيل في بداية الخمسينيات.  أعقب ذلك إنشاء مفاعل بقدرة 24 ميجاواط في أكتوبر عام 1957 ، وبناء مجمع نووي سري لتخصيب اليورانيوم في ديمونا.  وفي عام 1958 صدّرت بريطانيا إلىإسرائيل ، بطريقة سرية للغاية (فضحتها إذاعة بي بي سي عام 2005) ، عشرين طناً من الماء الثقيل.  وكانت أول تجربة ناجحة لقنبلتها النووية في عام 1968.   ثم جاء الخامس من أكتوبر عام 1986 ، لتنشر صحيفة الساندي تايمز البريطانية تقريراً أعده لها الخبير النووي موردخاي فانونو ، يخمّن فيه عدد القنابل النووية المخزونة تحت الأرض في صحراء النقب بالقرب من مفاعل ديمونة  بين 100 و 200.   بعد إعتراف أيهود أولمرت رئيس حكومة إسرائيل مؤخراً ، بإمتلاك بلاده ترسانة نووية ، سأل مراسلُ التلفزة الألمانية الخبيرَ فانونو عن رأيه في ذلك الإعتراف غير المتوقع فأجاب ضاحكاً: "لقد قلت ذلك قبل عشرين عاماً ولم يصدقني أحد!".  الحق أن إسرائيل لم تعترف بهذه الحقيقة الخطيرة طيلة هذه المدة ، حتى وضعت التلميحات الصحفية لوزير البنتاجون روبرت جيتس ، الخبير السابق في وكالة المخابرات المركزية ، حداً للإنكار الإسرائيلي المستمر.  لقد زجت إسرائيل عام 1986 بفانونو الباحث في مركز ديمونة النووي بالسجن ، متهمة إياه بالخيانة العظمى!  
بداية الوباء النووي في هيروشيما
يالسخرية الأقدار كيف يعيد التأريخ نفسه!  فقد سبق للولايات المتحدة بعد تفجيري هيروشيما وناجازاكي، أن إتهمت أربعة من أفضل علمائها النوويين بنفس التهمة ، رغم تبرئتهم من محاكم عليا بعد تنفيذ حكم الإعدام بثلاثة منهم ، بينما إكتفت بتوبيخ الرابع (أوبنهايمر) وتشويه سمعته، وحرمانه من العمل في البرنامج النووي الأميركي.  تأريخياً أول من تبنى نظرية "توازن الرعب النووي"، كضمان للسلام بين الأمم المتصارعة، هو عالم الفيزياء النظرية الأمريكي جوليوس روبرت أوبنهايمر ، الذي ولد في نيويورك عام 1904 ، وشارك في تصميم أول مفاعل نووي على الإطلاق ، في مدينة شيكاغو عام 1941 بإشراف أنريكو فرمي. ثم أنيطت به مسؤولية مشروع مانهاتن (1942-1946)  لبناء أول قنبلة نووية.  وبعد نجاح ذلك المشروع في إنتاج القنابل النووية ، ألقت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين على اليابان في هيروشيما وناجازاكي عام 1945 ،  وشغل أوبنهايمر منصب رئيس "الهيئة العامة للتوجيه" ، وهي إحدى المنظمات الفرعية للجنة الطاقة الذرية الأميركية.  كان أوبنهايمر معروفاً بتطلعاته الإنسانية اليسارية ، ولما سمع عن هلاك عشرات الألوف من البشر الذين فتكت بهم القنبلة التي صنعها بيده ، قال لزملائه كأول ردة فعل: "أشعر أن يديّ ملطختان بالدم!". وأراد تصحيح الخراب الذي تسبب فيه العلماء ، ففكر بشئ جديد يمكن أن نسميه الآن "نظرية أوبنهايمر لتوازن الرعب النووي".  وتستند الفكرة إلى حقيقة أن القنبلة النووية أصبحت أمراً واقعياً لارجعة فيه. إنها كالوباء الذي تحرر وأصبح في قبضة السياسيين ، ولم يعد ممكناً التخلص من شره ومكافحته إلا بتحقيق حالة "توازن الرعب النووي" ، أي ألا تكون هناك جهة تنفرد بإمتلاك القنبلة النووية!  وشاء القدر أن تتوصل روسيا عام 1949 إلى إنتاج قنبلتها النووية!  كان ذلك بالنسبة إلى أوبنهايمر وعشرات العلماء الأميركان الذين يماثلونه في التفكير أنباء طيبة ، ونهاية لشعورهم بالذنب!  على الضد من هؤلاء جن جنون بعض العلماء اليمينيين وأبرزهم الفيزيائي أدوارد تيللر ، الذي وجد بعد إندلاع الحرب الكورية في عام 1951 فرصته الذهبية للضغط على الحكومة الأميركية ، لكي تستأنف مشروعاً سابقاً لإنتاج السلاح الأكثر فتكاً ، أي القنبلة الهيدروجينية.  وكرئيس للهيئة العامة للتوجيه ، عارض أوبنهايمر هذا المشروع بشدة ، وحاول عرقلته بشتى الطرق الإدارية فلم يفلح.  وتجنباً للمشاكل عمد أخيراً إلى الإستقالة من الهيئة العامة للتوجيه في عام 1952.  وفي إطار حملة السناتور الجمهوري اليميني جوزيف مكارثي عام 1953  أيام الرئيس آيزنهاور ، على مئات اليساريين واللبراليين من العلماء والفنانين والأدباء والسياسيين والموظفين الحكوميين والضباط ، أجرى جهاز الأف بي آي تحقيقاً مع أوبنهايمر بتهمة "العمالة الحمراء"!  وبالطبع لم يثبت شئ من هذه التهمة على مهندس القنبلة النووية وأخلي سبيله في النهاية ، ولكن بعد أن تشوهت سمعته في المجتمع الأميركي.
فيزيائيون مرتدون أم صحوة ضمير
تفرغ أوبنهايمر للتدريس الجامعي حتى عام 1963 ، في ظل رئاسة جون كندي الذي كان معروفاً بميوله اللبرالية المنفتحة نسبياً.  لقد قرر الرئيس كندي  رفع التهمة نهائياً عن أوبنهايمر والإعتذار منه ورد إعتباره ، ومنحه أعلى وسام علمي أميركي ، ونعني جائزة أنريكو فيرمي.  ولدى طرح القرار على الكونجرس  بتأريخ 22 نوفمبر 1963 لمناقشته ، عارضته الأغلبية الجمهورية بشدة!  لكن الرئيس تجاهل رفض الكونجرس وقرر إستخدام حق الفيتو!  وفي مساء نفس اليوم ، أي 22 نوفمبر 1963 أغتيل الرئيس كندي في مدينة دالاس!  على أن الإغتيال لم يمنع خليفته الرئيس لندون جونسون ، من المضي قدماً في تنفيذ قرار الرئيس  الراحل كندي ، وقلد أوبنهايمر الوسام العلمي الرفيع في الموعد المقرر ، أي الثاني من ديسمبر 1963.  شاعت نظرية أوبنهايمر في توازن الرعب النووي كضمان للتعايش السلمي بين الأمم المتناقضة ،  لدى معظم الفيزيائيين في الولايات المتحدة وفي العالم ، رغم غضب الحكومات ، وإنتشار محاكمات البعض منهم بتهمة العمالة للعدو!  غير أن الفكرة مازالت تهيمن على معظم علماء الذرة في العالم ، وتدعو إلى الإنتشار الأفقي العادل للسلاح النووي ، تلك الآفة التي لا تبرأ البشرية من شرها مالم تكون شائعة!
والحقيقة أننا لانستبعد حصول صحوة ضمير لدى الفيزيائي "المرتد" فانونو ، مما دفعه لفضح البرنامج النووي الإسرائيلي إقتداءاً  بمبدأ أوبنهايمر في التوازن. وفي تصوري أن فانونو لن يمانع من مساعدة العرب ، أوالإيرانيين ، في صنع قنابلهم النووية بدافع إنساني محض ، يتمثل في قناعته أن السلام في الشرق الأوسط لن يعم مالم يتحقق مبدأ أوبنهايمر في حفظ التوازن النووي!  ومن الطريف ذكره هنا أن الداعية للحرب أدوارد تيللر نفسه ، وبعد الإنتهاء من إلقاء محاضرته في مختبرات لورنس ليفربول عام 1991 ، أجاب على سؤال أحد الحاضرين عن رأيه في نية صدام حسين بناء قنبلة نووية.  وعلى غير ماتوقع السائل ، جاء رد تيللر: "حسب إعتقادي أن العالَمَ الآمنَ هو العالَمُ المفتوح"!  أليس هذا بالضبط ما قصده أوبنهايمر في فلسفته النووية قبل أكثر من نصف قرن؟  والسؤال المطروح بعد إفتضاح سر الترسانة النووية الإسرائيلية: هل يتوجب على العرب الإستمرار في الحفاظ على مشاعر حلفائهم الغربيين وعدم الإخلال بحالة عدم التوازن النووي الإستراتيجي في المنطقة؟  أم أن عليهم أن يسعوا للحصول على حقوقهم الطبيعية في ضمان أمنهم وفق مبدأ أوبنهايمر في التوازن؟  وفي الحقيقة فقد أثبتت الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية ، بعدما فجرت الولايات المتحدة أول قنبلتين نوويتين في سماء اليابان ، وإمتلكت روسيا ذلك السلاح ، أثبتت أن مبدأ أوبنهايمر في توازن الرعب النووي ، وليس نزع السلاح النووي ، هو الضامن الأكيد للسلم العالمي ، والملاك الذي وضع عصاه السحرية على أتون النزاعات الدولية الخطيرة لأربعة عقود محولاً إياها إلى مجرد "حرب باردة!"  وعندما تصاعد النزاع بين الهند والباكستان ، كان للتهديد بإستخدام القنبلة النووية أكبر المنافع إذ أنه ألقى بظلاله على البلدين ضامناً السلام والطمأنينة طيلة فترة النزاع في القارة الهندية.
القنبلة الإسلامية مقابل القنبلة الهندية
في الثمانينيات بدأت الهند بحوثاً في مجال التفاعلات النووية الحرارية ، ويُعتقد أنها تمتلك حالياً ما يقارب 35 رأساً نووياً ، بالإضافة إلى توفر كمية من البلوتونيوم  تكفيها لإنتاج أكثر من 50 قنبلة نووية.   ومعروف أن روسيا قد ساعدت بلد المليار مواطن في بناء ترسانته النووية ، وتشير التقديرات إلى إمكانية الهند اليوم على إنتاج القنبلة الهيدروجينية!.  أما الباكستان البلاد الأبعد عن الديمقراطية الهندية ، والأكثر شفافية نسبة إلى شقيقاتها  العربيات ، فقد إستفادت من العداء الأيديولوجي الستيني الذي نشأ بين موسكو وبكين ، فلجأت إلى جارتها الشيوعية في الشرق ، لتساعدها في بناء مفاعلها النووي ومن ثم قنبلتها الإسلامية.  في عام 1972 جهزت كندا الباكستان بمحطة كهرونووية ، تعمل بالماء الثقيل وبمحطة لإنتاج تلك المادة النووية الأساسية.  بعد أربع سنوات من ذلك التأريخ إستطاعت الباكستان أن تبني أول محطة طرد مركزي ، لتخصيب اليورانيوم بعد إقتنائها المواد الأولية والخبرة اللازمة من ألمانيا وبريطانيا ، وشرعت في تخصيب اليورانيوم عام 1977.  ووصل عدد أجهزة الطرد المركزي في الباكستان 14 ألف جهاز!  لقد إضطرت حليفة الغرب الباكستان إلى التوجه عام 1983 صوب الصين للتزود باليورانيوم المخصب والمواد النووية الأخرى ، بعد أن لم تستجب الولايات المتحدة لتلبية طموحها.  ويقال أن الصين زودت الباكستان بمخطط كامل لقنبلة نووية بسعة 25 كيلو طن.  ثم تنامت بمرور الزمن القدرات التكنلوجية الباكستانية ، مما جعلها عام 1996 قادرة ، بإسناد صيني ، على بناء مفاعلها النووي بقدرة 40 ميجاواط ، والذي يعمل بالماء الثقيل.
الطموح النووي العربي مقابل القنبلة الشيعية
أما إيران فقد إستعدت بزخم عال ، موظِفة كل الطاقات والموارد ، لإقتحام النادي النووي من أبوابه السلمية والحربية على حد سواء!  في الحقيقة كان برنامجها النووي قد بدأ فعلياً في الخمسينيات بمساعدة الولايات المتحدة.  وبالرغم من أن المشروع النووي تعرض إلى التجميد مؤقتاً ، بعد قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 ، فإنه يوجد في إيران حالياً 17 مركزاً نووياً ، موزعة على أنحاء البلاد.  من ناحية أخرى تخطط إيران حالياً لبناء محطة كهرونووية ، لإنتاج 6 آلاف ميجاواط من الطاقة الكهربائية بحدود عام 2010.  ولايستبعد المراقبون أن تفاجئهم إيران بإكتمال صنع أول قنبلة نووية لها في غضون سنتين!  وبعد مجئ الخميني إلى السلطة وإعلانه "ولاية الفقيه"  دق جرس الإنذار في القيادة القومية لحزب البعث الصدامي!  فبدأ البرنامج النووي العراقي الشهير ، برعاية مباشرة من صدام حسين. والمعروف أن صداماً كان يجيد لعبة الرقص على الحبال السياسية ، فقد كسب لبرنامجه النووي الطموح ود الطرفين الدوليين المتصارعين خلال الحرب الباردة ، وإستطاع أن يجعل ذلك البرنامج السري للغاية يزدهر خلال السبعينيات والثمانينيات ، مستفيداً من الخبرات التكنلوجية المتطورة للشرق الشيوعي ، والغرب الرأسمالي ، في نفس الوقت. 
قبل ثلاثة أشهر تقريباً أوردت وسائل الإعلام نبأ يتيماً ، عن جهود تبذلها مصر لدخول النادي النووي ، لكن من بوابته السلمية!  إن لمصر حقاً حكاية رومانسية قديمة مع الطاقة النووية ، فقد بدأت بحوثها النووية منذ عام 1954 ، وحصلت في عام 1961 على أول مفاعل نووي روسي بقدرة 2 ميجاواط.  لكن الطموح المصري النووي سرعان ما تلاشى كلياً بعد نكسة العرب الكبرى في الخامس من يونيو عام 1967.  ثم عادت مصر ووقعت إتفاقية مع الولايات المتحدة عام 1981 لبناء ثماني محطات كهرونووية ، لكنه مع إغتيال الرئيس السادات سمعنا عن توقيع مصر على إتفاقية عدم إنتشار السلاح النووي.  وهناك تقارير تشير إلى أن مصر إتفقت عام 1992 مع الأرجنتين ، على تزويدها بمفاعل ذي قدرة 22 ميجاواط ، غير أن المراقبين لا يرجحون أن مصر تمتلك السلاح النووي ، أو أنها ستحصل عليه في المستقبل القريب!  ثم عادت وسائل الإعلام فنشرت مؤخراً نبأ آخر عن رغبة دول مثل الأردن ، ومجلس التعاون الخليجي في الإنتماء إلى النادي النووي ، توازناً للرعب النووي مع الجارة الشيعية على الساحل الشرقي ، وربما أيضاً مع الجارة العبرية في الشمال. 
هل يستفيد العرب من التجربة الأوربية؟
ولنسلم بشرعية هذا الطموح النووي العربي والخليجي!  فإن النبأ برأينا ليس سوى بالون سياسي إعلامي!  وما نستند إليه في تقييمنا هذا جملة من الحقائق ، أهمها غياب المستلزمات الموضوعية لدخول النادي النووي ، ولقيام الصناعة النووية المتطورة في منطقة كالخليج: إنعدام الحرية المطلقة في الحركة والإنتقال ، للخبراء العرب المشاركين في المشروع النووي المطلوب ، دون الطلب منهم كشف هوياتهم ووظائفهم ، لضمان سرية المشروع وسلامة الخبير.  وهذا الشرط ليس متوفراً في الخليج  أو في غيره من مناطق العرب ، الآن أو في غضون المئة سنة القادمة!  بعبارة أخرى يتعين على دول الخليج أولاً إزالة كافة الحواجز والحدود  ، وتوفير مستوى محترم من الثقة الأمنية ، والتضامن السياسي الشفاف فيما بينها.  فالحدود القائمة بين البلدان الخليجية ، وبينها وبين سائر أقطار الأمة العربية ، جدران فولاذية سميكة وملتهبة ومكهربة ، تصد الصديق قبل العدو ، رغم مرور عقود على إعلان مجلس التعاون الخليجي ، وهو منظمة تنضوي فيها بلدان تتحدث نفس اللغة ، ولها نفس الدين والقومية. بلدان متساوية تقريباً في إمتلاك الثروات ، ومتشابهة إلى حد التطابق في أنظمة الحكم والولاءات الخارجية!  رغم ذلك مازال المواطن الخليجي عاجزاً عن زيارة صديق له في البلد المجاور ، إلا بعد إبرازه على الحدود جواز سفر وسمة دخول وربما بيان سبب الزيارة!  ولا نريد الخوض هنا في المفاصل المخفية التي بات القاصي والداني على إطلاع وثيق بها!  هذا في الوقت الذي نرى فيه المواطن الأوربي الذي لايختلف عن العربي في الفسيولوجيا ، يتجول في 27 دولة أوربية تتحدث لغات مختلفة ، دون أن يصادف شرطياً واحداً ، أو يرى حدوداً من أي نوع!  يستطيع التجول في كل أنحاء القارة الأوربية بسيارته الشخصية مستخدماً إجازة السياقة فقط!  قريباً سوف تنجح بلدان الإتحاد الأوربي في توحيد الدستور والعملة والكثير من الضوابط والقوانين.  فهل نتوقع أن يحصل شئ من هذا في مجلس تعاون الخليج؟ 
عليه يتعين على بلدان الخليج وغيرها من البلدان العربية ، التي تخطط لدخول النادي النووي ، أن تسعى بجدية لتوحيد دساتيرها ، وفتح حدودهاعلى مصراعيها ، وتوحيد عملتها النقدية ، قبل أن تفكر في حزم حقائبها والطرق على أبواب النادي النووي.  إن الوحدة الحقيقية بين البلدان هي الوحدة التي تقوم بين المجتمعات ، كما في الإتحاد الأوربي ، وليس بين الأنظمة المنعزلة المتزمتة والمتصارعة ، الأنظمة المختلفة على كل شئ في الوجود ، من طبيعة العلاقة مع إسرائيل ، إلى الموقف من حقوق الإنسان ، وحتى حول كثبان الرمال الصحراوية بينها التي يسمونها حدوداً!  من جانب آخر ، إذا كان طموح بلدان الخليج من دخول النادي النووي ، هو لإحلال توازن الرعب ، مع الدولة العبرية أو مع الدولة الشيعية ، فهذا هو حق شرعي دولي لا يجادلها فيه أحد.  أما إذا كان فقط للإستقواء بعضها على البعض ، أو لردع شعوبها وإستعراض العضلات السياسية عليها ، مثلما كان الحال في العراق ، فلا خير أو أمل فيه إطلاقاً.  ولو فرضنا جدلاً أن أنظمة الخليج تخطط فعلاً لإيجاد حالة إستراتيجية من توازن الردع النووي ، بينها وبين جارتيها العبرية والشيعية ، فهل حسمت تلك الأنظمة أمرها حول القوى الدولية التي ستلجأ إليها طالبة العون العلمي والتقني اللازم لبناء القنبلة المنشودة؟  فكما نعلم لا يوجد أمامها على هذا الكوكب سوى الشرق والغرب!  فهل ستلجأ إلى الغرب في صناعة  قنبلة موجهة إلى إسرائيل؟  أم ستطلب المعونة من الصين وروسيا ، الدولتين اللتين تساعدان إيران في مشروعها النووي؟  وهل يسمح الحليف الأكبر لدول الخليج وسائر الدول العربية ، أن تخطط لإبادة حليفتها العبرية ، أو أن تتعاون نووياً مع دول مازالت تنافسها على جميع الأصعدة ، كروسيا والصين؟  إن وضع الأهداف للبرامج النووية هو أول خطوة في المسيرة الطويلة المعقدة صوب النادي النووي.  فهل حددت أنظمة الخليج حقاً أهدافها المرسومة التي تتوخاها في هذا الميدان الحافل بالإشكاليات السياسية والإقتصادية والتقنية الهائلة؟  برأينا كلا!  لذا فإن النبأ الذي قرأناه هو محض دعاية سياسية إعلامية جاءت لتبريد وتطييب الخواطر، تعودنا عليها في بلداننا العربية ، وهي تُطرح بإستمرار على الساحة كرد فعل إزاء ما يجري من تطورات سياسية ساخنة ، ومنها إفتضاح أمر القنبلة العبرية في الشمال ، وبوادر إكتمال القنبلة الشيعية في الساحل الشرقي من الخليج!

بقلم: 
د. أسعد الخفاجي
المصدر: 
عراق الكلمة