تعالوا إلى كلمة سواء

ما معنى (دين لدولة الإسلام) كما جاء في المادة الثانية من الدستور؟

وما الالتزامات التي تترتب على هذا النص من الناحية الدستورية؟
يقول الدكتور محمد عبد اللطيف أستاذ القانون في جامعة الكويت في كتابه (الحريات العامة): (الدستور في مصر والكويت ينص على أن الإسلام دين الدولة، وأن الشريعة مصدر رئيسي للتشريع وذلك لا يعني أن تكون سلطة الدولة دينية أي خاضعة لرجال الدين وإنما تعني ان تكون تصرفات السلطة المدنية غيرمتعارضة مع الشريعة الإسلامية) انتهى
وهذا ما فهمه رجال القضاء في مصر حيث جاء في توصيات مؤتمر العدالة الأول في نادي القضاة في القاهرة سنة 1986 ما يلي: (إعمالاً لما تنص عليه المادة الثانية من دستور جمهورية مصر العربية من أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع يوصي المؤتمر بإصدار مشروعات القوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية ومراجعة سائر التشريعات لتتفق في أحكامها مع مبادئ الشريعة) انتهى. وهذا أيضاً ما دعا اليه الدكتور سليمان الطماوي - عميد فقهاء القانون العام في مصر - في كتابه (السلطات الثلاث في الدساتير العربية) (ص400) حيث قال: (إن المسلمين لم يتركوا الشريعة الإسلامية مختارين بل أكرهوا على ذلك لخضوعهم للاستعمار الغربي لمدة طويلة ومن ثم فإن العودة الى تطبيق الشريعة الإسلامية إنماهو في الحقيقة لتصحيح أوضاع غير طبيعية).
وهذا ما أكده عمداء كليات الحقوق في الجامعات العربية في مؤتمرهم في بغداد سنة 1974.
إذن فالمادة الثانية من الدستور لم توضع للتبرك بل نصها يقيد السلطة بأن لا تتعارض تصرفاتها مع الشريعة الإسلامية وألا نصطدم بقطعيات الدين الإسلامي الذي هو دين الدولة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو حكم الاسلام - الذي هو دين الدولة - في من رفض الأحكام الشرعية القطعية؟ وهل يسوغ الاعتراض على الحكم القطعي؟ قال الإمام الشافعي في (الرسالة) (460): (ماكان نصّ كتابٍ بيّنٍ أو سنةٍ مجتمعٍ عليها فالعذر فيها مقطوع ولا يسع الشك في واحدمنها ومن امتنع من قبوله استتيب) أي وإلا كفر.
وقال اسحاق بن راهويه (المتوفىسنة 238هـ): (أجمع العلماء على أن من دفع شيئاً أنزله الله وهو مع ذلك مقر بما أنزل الله أنه كافر).
(
انظر التمهيد 4/226).
وقال ابن حزم في كتابه (الإجماعص195: (واتفقوا أنه منذ مات النبي صلى الله عليه وسلم فقد انقطع الوحي وكمل الدين واستقر وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئاً من رأيه بغير استدلال منه ولا أن ينقص منه شيئاً ولا أن يبدل شيئاً مكان شيء ولا أن يحدث شريعة وأن من فعل ذلك كافر) وقال في كتابه (الدرّة فيما يجب اعتقاده): (من أجاز إسقاط شيء من الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو خارج عن الإسلام بإجماع الأمة كلها).
وقال ابن تيمية (الإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافراً مرتداً بالاتفاق) (مجموع الفتاوى 3/267).
وقال أيضاً: (من استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر).وقال ابن كثير: (من ترك الشرع المحكم وتحاكم إلى الياسق وقدمها عليه فقد كفر بإجماع المسلمين).
والياسق هو القانون الذي وضعه التتار, وقال أبوبكر الجصاص في تفسيره (2/214): (من رد شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهوخارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان). فهذا غيض من فيض من أقوال العلماء التي تؤكد أن رد حكم الله ورسوله كفر بلا خلاف بين المسلمين وأنه من المعلوم من الدين بالضرورة القطعية لقوله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليماً) وقوله تعالى(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).
وقوله تعالى (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين). وقد حكم الله عز وجل على من أراد التحاكم إلى غير شرعه بأنه مؤمن بالطاغوت كما قال تعالى (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به).
قال ابن القيم: (طاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يطيعونه فيما لايعلمون انه طاعة لله فمن آمن بالله فليس له أن يؤمن بغيره ولا أن يقبل حكماً غير حكمه)، وهذا هو معنى الإسلام أي الاستسلام لحكم الله ورسوله وطاعتهما كما قال ابن تيمية: (الإسلام يتضمن الإسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ومن لم يستسلم له كان مستكبراً والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره). بل إن من اعتقد بأنه يسوغ له ترك أورد حكم الله ورسوله فقد كفر حتى وإن لم يرد شيئاً بل مجرد اعتقاد جواز ذلك كفر كما قال الشيخ عبدالعزيز بن باز في مجموع الفتاوى (1/274): (أجمع العلماء على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم أو تحكيم غيرها فهو كافر).
وقال الشيخ أحمد شاكر في كتابه (الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين بمصر ص89): (والقرآن مملوء بأحكام وقواعد جليلة في المسائل المدنية والتجارية وأحكام الحرب والسلم وبنصوص صريحة في الحدود والقصاص فمن زعم أنه دين عبادة فقط فقد أنكر كل هذا وأعظم على الله الفرية وظن أن لشخص كائن من كان أو لهيئة كائنة من كانت أن تنسخ ما أوجب الله من طاعته والعمل بأحكامه وما قال هذا مسلم قط ولا يقوله, ومن قاله فقد خرج عن الإسلام جملة ورفضه كله وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم).
وقال أيضاً: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح أو الخضوع لها فليحذر امرؤ لنفسه وكل امرئ حسيب نفسه), وقال ابن تيمية في الفتاوى (28/524): (ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر).
وقال أيضاً في (27/59): (من اعتقد أن لأحد من جميع الخلق علمائهم وعبادهم وملوكهم خروجاً عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته وأخذ ما بعث به من الكتاب والحكمة فهو كافر).
ومعلوم بإجماع المسلمين أن الغاية من إرسال الرسول هو طاعته واتباعه كما قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) فمن ظن بأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم ليست واجبة أو أنه يمكن له أن يكون مؤمناً بالرسول بلا اتباع له ولا طاعة, فما عرف معنى الإسلام ولا معنى الإيمان فقد قال الله في وصف أهل الإيمان (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا).
فإذا كان هذا هو حكم الإسلام في هذه القضية بالأدلة القرآنية القطعية وبالإجماع اليقيني من علماء الأمة الإسلامية كافة على اختلاف مذاهبهم الفقهية فكيف يسوغ للحكومة أو مجلس الأمة الإقدام على فعل أمر هوردة صريحة وكفر بواح بإجماع المسلمين؟! وهذا التصرف يصطدم بالمادة الثانية من الدستور ويعد تجاوزا وخرقا صريحاً لها وكما قال الشيخ محمد الخضر حسين: (لا يقدم المسلمون على مثل هذا الأمر إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين).
فالواجب على جميع أعضاء السلطة التشريعية من الوزراء والنواب معرفة حكم الإسلام الذي هو دين الدولة قبل الإقدام على اتخاذ القرار في أي قضية وعلى الحكومة أن تراجع لجان الفتوى في وزارة العدل والأوقاف في مثل هذه القضية. وللحديث بقية
الأمين العام للحركة السلفية