العولمــة والإرجـاء و الـقدس

العلاقة بين العولمة والإرجاء هي أن العولمة الثقافية والفكرية تنطلق من إرجاء ـ والإرجاء هو التأخير ـ تمسك الأمة الإسلامية خاصة بمعتقداتها اليقينية وثوابتها المحكمة ،

على أنها الحق الذي ليس بعده إلا الضلال كما قال تعالى (فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ) ، وذلك لحساب ثقافة عالمية جديدة يبشر بها الغرب بقيادة أمريكا ، وهذه الثقافة ، كما وصفها أحد الكتاب (هوية بلا هوية) ، فلا يوجد فيها حق ولا ضلال ، ولا كفر ولا إيمان لاسيما في المعتقدات الدينية ، وغايتها النهائية ، أن تتلاشى الحدود الفاصلة بين الإسلام وغيره لئلا يكون له فضل عما سواه، ولهذا تسير فكرة وحدة الأديان في ركاب العولمة ، لأنها لا تعترف بإطلاق كلمة الكفر على ما يناقض دين الإسلام من الأديان والمعتقدات الأخرى ، ولهذا تشمئز قلوب المبشرين بالعولمة من كلمة التكفير حقا كان أو باطلا، حتى عبدة الأصنام لهم وجهة نظر ينبغي احترامها في نظر العولمة ، وكذلك الفكر الإرجائي يتوافق من بعض الوجوه ــ أقول من بعض الوجوه ــ مع العولمة ، عندما تغبـش أصوله الفاسدة رؤية الحد الفاصل بين الإيمان والكفــر ، فكأن العولمة هي المرجئة الأم الكبيرة التي تولدت منها ابنتها ، ظاهرة الإرجاء في العالم الإسلامي .
وكذلك يدعو الفكر الإرجائي إلى تأخير وإضعاف منزلة العمل من الإيمان ، حتى يصير الإيمان صورة بلا معنى ولا أثر ، فمثلا ــ في فكرهم ــ أنه مهما كان فعل الفاعل موغلا في الكفر ، فانه لا يخرج المسلم من الإسلام إلا إذا اقترن بالجحود والتكذيب بالدين ، فحتى لو ابطل الشريعة كلها ، حتى بلغ أن أقر الشذوذ الجنسي وأجاز بتشريع أن يتزوج الرجل الرجل والمرأة المرأة في أسرة لها مشروعية قانونية كاملة ، فلا يكفر فاعل ذلك ممن يدعي الإسلام ، ما لم يصرح بلسانه أنه مكذب لما جاء به الرسول ـ وليت شعري ـ أي تكذيب للرسول أعظم مما صنع ، وما الذي يريده أعداء هذا الدين غير هذه النتيجة العملية لإبطال الشريعة ، وهل يهمهم صرح بلسانه أم لا !!! 

كما لا يخرج المسلم من الإسلام ـ عند المرجئة ـ تركه كل اتباع الرسول بجوراحه وراءه ظهريّا، والعولمة الثقافية كذلك تدعو إلى أن يدع المسلمون دولا وأفرادا ، حكاما ومحكومين عملهم بمعتقداتهم ، وألاّ ينهجوا في حياتهم كلها وفق عقيدتهم وشريعتهم كما أمر اللــه تعــالى في القـرآن (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ) وقال (

 ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) ، فهنا تشابه آخر ـ من بعض الوجوه فحسب ـ فلا جرم إذن تساوقت ظاهرة الإرجاء ذلك الفكر الفلسفي القديم في تاريخ الفرق الإسلامية في العصور الأولى ، مع الدعوة إلى العولمة ، وهذا يصدق النظرية القائلة أن أفكار الفرق الضالة إنما يستحث ابتداعها وقوع الأمة تحت تأثير فكري لغزو خارجي أو اضطرابات سياسية أو اجتماعية تمر بها ، فتظهر هذه الآراء الضالة كالدمامل في الجسد المريض حينا من الدهر ، ولهذا فهي ليست ثابتة على أساس علمي راسخ ، بينما بقيت الأصول التي أجمع عليها السلف الصالح بحالها لم يؤثر فيها تقلب أحوال الأمة بين الضعف والقوة على مر القرون ، لأجهزة مبنية على الكتاب والسنة ، وقد تمثل ذلك في خط أهل السنة والجماعة الذيـن ورد فـيهم الـحديث بـمعنــاه ( لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة ) . 

وأما قضية القدس فقد تبين للمتابعين لما يجري في (كمب ديفيد ) أن المعركة الحقيقية إنما دارت رحاها حول القدس ، فاليهود لا يريدون إسرائيل بلا قدس ، والسلطة الفلسطينية لو رضيت بعاصمة غير القدس لبقي ذلك عارا عليها لا ينساه التاريخ ، إذ كان المسجد الأقصى له منزلة عظيمة في عقيدة الأمة الإسلامية وثقافتها ، وتسليمه لليهود طوعا والرضى بذلك كارثة لا توازيها كارثة، وهو ردة عن الدين لأنه بيت من بيوت الله على أرض لنا مقدسة قدسها الله في كتابه الكريم ، فكيف نسلمها لتنجسها أقدام اليهود ونقرهم على ذلك طوعا بأيدينا، ولأنه أولى القبلتين ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا تشد الرحال إلى مسجد في الإسلام إلا الحرمين والمسجد الأقصى كما ورد في الحديث ، فمن رضي بمنحه لليهود وأقرهم على احتلاله ارتد عن الإسلام ، ولست أخال أحدا يخالف هذا الحكم من علماء الإسلام ، اللهم إلا مرجئة العصر إذا أجرت أصولها الفاسدة ، ذلك أنهم سيقولون : لعل فاعل ذلك لم يستحل ، لعله غير مكذب ولا جاحد ... إلى آخر هذا الهذيان .

بقلم: 
الشيخ حامد بن عبدالله العلي