خريطة جديدة للاستثمار

خريطة جديدة للاستثمار

بات واضحا أن الاستثمار الأجنبي المباشر يقدم منافع إنمائية هامة للبلدان المضيفة‏,‏ من بيـنها إتاحة فرص الوصول إلي رأس المال وتوليد فرص العمل ونقل التكنولوجيا والمعرفة والأسواق‏.‏ وعليه‏,‏ فإن المناقشة لم تعد تبحث في ما إذا كان ينبغي تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر أو عدم تشجيعه‏,‏ بل في كيفية جني أقصي قدر من المنافع من ذلـك الاسـتثمار والتقليل من المخاطر المتصلة به‏.‏

ولقد وضح يقينا عبر العقود الثلاثة الماضية أننا نجهل طريقة التعامل مع موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر ونفرط في تقديم الحوافز والإعفاءات لجذبه مع أن الحقيقة عكس ذلك‏,‏ فنحن نجهل ما تقدمه القوانين والمنظمات الدولية من تدابير لحماية اقتصادنا‏,‏ من خلال ربط الحوافز التي تقدمها البلدان المضيفة بالوفاء بشروط معينة في الأداء‏,‏ وتلك الشروط لا يحظرها‏'‏ الاتفاق المتعلق بتدابير الاستثمار المتصلة بالتجارة‏',‏ الذي يعد ملزما لجميع الأعضاء في منظمة التجارة العالمية‏.‏

وإن كانت هناك كتابات كثيرة لاقتصاديين غربيين يؤكدون علي اعتبار وجود حصة كبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر في إجمالي تدفقات رأس المال‏,‏ علامة ضعف وليس علي قوة الدولة المضيفةوإن كان هناك بعض الاستثناءات في هذا الموضوع‏.‏ ولقد طالبت في أكثر من ثلاثين مقالة علي ضرورة إعادة النظر في الاتفاقيات التي تم توقيعها مع مستثمرين أجانب لتضمينها بعض البنود التي تعود بالمنفعة علي الاقتصاد الوطني‏,‏ سيرا علي النهج الذي اتبعته بعض الدول‏,‏ ووفقا لما نادت به بعض المنظمات الدولية وكبار المفكرين الاقتصاديين بضرورة حماية الدول المضيفة في مسعاها لتنمية اقتصادها‏,‏ بل انتقدوا بعض الدول النامية وخاصة مصر التي أفرطت في تقديم الحوافز والإعفاءات للمستثمرين الأجانب مما انعكس سلبا علي تنمية اقتصادها‏.‏وحذروا من تصاعد حزم الحوافز المقدمة داخل المناطق الإقليمية المختلفة‏,‏ ذلك أن الحكومات الساعية إلي تحويل مسار الاستثمارات في اتجاه أقاليمها كثيرا ما تجد نفسها في خضم‏'‏ حروب مزايدة‏'‏ متنوعة‏,‏ حيث يؤلب المستثمرون مواقع مختلفة علي بعضها البعض‏,‏ مما يؤدي بها إلي تقديم مجموعات من الحوافز أكثر وأكثر جاذبية من أجل الفوز بالاستثمار‏.‏

وهناك حقائق غائبة عنا حيث إن اتفاقيات الاستثمار التي توقعها دولة مع دولة أو مستثمر ما مع دولة ما ليست قواعد ملزمة إلي الأبد ولا يمكن الخروج عنها بل هي تخضع للتطوير المستمر حسب ما يراه مصلحة كل طرف‏,‏ ويمكن لأي طرف أن يعيد التفاوض علي بنود ثبت أنها تهدد مصلحته أو لم تساعد في تحقيق التنمية المنشودة‏.‏

وتثار مخاوف حقيقية اليوم من أن السياسة الاقتصادية تسير بوتيرة سريعة في طريق سلكته من قبل دول عدة‏,‏ لم تحقق طموحاتها التنموية‏,‏ بل ازدادت فقرا‏,‏ وانكشفت ساحتها أمام شروط المؤسسات المالية الدولية‏,‏ إن تبني وإطلاق التصريحات المتتالية حول الاستثمار في مصر لا يجوز أن يرتبط بهموم ومشكلات تتعلق بالخزينة‏.‏ وإنما يجب أن ينظر إليه في إطار إصلاح شامل سياسي واقتصادي وإداري‏,‏ يهدف إلي تحسين أبعاد التنمية‏,‏ علي المدي المتوسط والطويل‏,‏ لمجمل الاقتصاد الوطني‏.‏

وخاصة أن التدفقات العديدة لرأس المال الخاص تثير بعض المخاطر‏.‏ حيث إن القروض القصيرة الأجل من الخارج تتم لاعتبارات المضاربة‏,‏ وليس علي اعتبارات طويلة الأجل‏.‏ وهي أول من يسارع إلي الهرب في أوقات الاضطرابات‏,‏ وكانت هي المسئولة عن دورات الازدهار والإفلاس في فترة التسعينيات لكثير من دول أمريكا اللاتينية وآسيا‏.‏

كذلك زيـادة الإنتاج والصادرات لا تعني بالضرورة حدوث أثر إيجابي علي الاقتصاد المضيف‏.‏ فكثيرا ما تتسم مشاريع الصناعة الاستخراجية بأنها موجهة صوب التصدير بشكل نموذجي‏,‏ مع تحقيق قيمة مضافة محدودة في البلد المضيف‏,‏ كما أنها تتسم بكثافة رأسمالية نسبية‏,‏ تحد من إمكانية إنشاء عمالة محلية‏,‏ وغالبا ما تعتمد علي مدخلات مستوردة‏.‏

وحول تعظيم العائد من الاستثمارات الأجنبية قام عدد من بلدان أمريكا اللاتينية‏,‏ بمراجعة نظمها الضريبية لزيادة حصـة الحكومة من الإيرادات‏.‏ وقد استحدثت بيرو ضريبة تتراوح نسبتها من‏1‏ إلي‏3%‏ بحسب المبـيعات السنوية لشـركات التعدين‏.‏ وفي شيلي‏,‏ وافقت غرفة المنازعات علي فرض ضريبة خاصة بنسبة‏4-5%‏ علي أرباح التشغيل الإجمالية‏.‏ أما في صناعة النفط‏,‏ فقد تنوعت ردود الفعل المتعلقة بالسياسة علي الأسعار المرتفعة‏.‏ فقد سعي عدد من حكومات البلدان المضيفة إلي زيادة حصتها من الإيرادات بزيادة الضرائب‏,‏ وإعادة التفاوض بشأن العقود مع الشركات عبر الوطنية‏,‏ وفرض تغييرات من جانب واحد علي العقود أو زيادة سيطرة الحكومة علي الصناعة‏. ‏وقد مضت فنـزويلا إلي مدي أبعد‏,‏ حيث أدخلت تغييرات من جانب واحد علي العقود وحولتها من اتفاقيات خدمة تشغيل إلي عقود مشتركة مع حصول الحكومة علي حصة الأغلبية‏;‏ وقد وحدت عوائدها عند نسبة‏30%‏ واستحدثت ضريبة استخراج‏,‏ وزادت من معدل الضريبة علي الدخل من‏34%‏ إلي‏50%‏ اعتبارا من عام‏2007‏

كذلك الحال بالنسبة لحماية البيئة المحلية تؤكد الفقرة‏(1)‏ من المادة‏1114‏ من اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية الأطراف المتعاقدة في أن تكون سيدة في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية البيئة‏,‏ حيث تنص علي‏:'‏ تقر الأطراف أن من غير اللائق تشجيع الاستثمار بالتساهل في اتخاذ التدابير الداخلية علي مستوي الصحة والسلامة والبيئة‏.‏ ويناء عليه‏,‏ لا ينبغي لطرف أن يتنازل عن هذه التدابير أو يتنصل منها أو يعرض التنازل عنها أو التنصل منها من باب تشجيع مستثمر علي إقامة استثمار أو حيازته أو توسيعه أو الاحتفاظ به في إقليم هذا الطرف‏.‏

وبالنسبة للتدابيرالبيئية هناك مبادئ الاستثمار التي وضعها مجلس التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ عام‏1994.‏ وعلاوة علي ذلك‏,‏ فإن معاهدة الاستثمار الثنائي بين بوليفيا والولايات المتحدة تؤكد الاتفاق بين الأطراف علي أن أهداف المعاهدة‏(‏ أي تشجيع الاستثمار وحمايته من الطرفين‏)‏ قد تتحقق دون التساهل في التدابير التي تطبق عموما في مجال الصحة والسلامة والبيئة‏'.‏

وبالنسبة لحقوق العمال‏,‏ تناولت هذه القضية اتفاقات العمل الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية عام‏1977‏ بالصيغة المعدلة عام‏2000‏ علي ما يلي‏'‏ عندما تمنح حكومات البلدان المضيفة حوافز خاصة لجلب الاستثمار الأجنبي‏,‏ لا ينبغي لهذه الحوافز أن تتضمن أي تقييد لحرية العمال في التجمع أو للحق في الانتظام والمفاوضة جماعيا‏'.‏ويتضمن اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية اتفاقا جانبيا بشأن التعاون في ميدان العمل‏.‏ ومن أهداف هذا الاتفاق‏,‏ تحسين ظروف العمل ومستوي المعيشة‏,‏ وتحسين مبادئ العمل الواردة في المرفق‏(1)‏ من الاتفاق بقدر الإمكان‏,‏ وتشجيع التعاون بين الأطراف‏.‏

كما أن المبادئ التوجيهية للمؤسسات المتعددة الجنسيات التي وضعتها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي عام‏2000‏ حكما في فصل‏'‏ السياسات العامة‏'‏ فيما يتعلق بالحوافز التنظيمية‏.‏ فوفقا لهذا الحكم‏,'‏ ينبغي للمؤسسات أن تراعي السياسات المتبعة في البلدان التي تعمل بها مراعاة تامة‏,‏ وأن تنظر في آراء الجهات الأخري صاحبة المصلحة‏.‏ وطالبت بالكف عن السعي للحصول علي إعفاءات لم ينظر فيها في الإطار القانوني أو التنظيمي المتعلق بالحوافز المقدمة في مجال البيئة والصحة والسلامة والعمل والضرائب والمالية أو غير ذلك من القضايا أو الإحجام عن قبول هذه الإعفاءات‏'.‏

وفي أثناء المفاوضات التي جرت بشأن اتفاقات الاستثمار المتعددة الأطراف‏,‏ اتفق علي‏'‏ تقر الأطراف أن من غير اللائق تشجيع الاستثمار بتخفيض مستوي‏(‏ المقاييس‏)(‏ التدابير‏)(‏ الداخلية‏)‏ في مجال الصحة أو السلامة أو البيئة أو بالتساهل في المقاييس‏(‏ المحلية‏)(‏ الأساسية‏)‏ المتعلقة بالعمل‏.‏ وبناء عليه‏,‏ لا ينبغي لطرف أن يتنازل عن هذه‏(‏المقاييس‏)(‏ التدابير‏)‏ أو يتنصل منها أو يعرض التنازل عنها أو التنصل منها من باب تشجيع مستثمر علي إقامة استثمار أو حيازته أو توسيعه أو الاحتفاظ به في إقليم هذا الطرف‏.‏

واتبعت الولايات المتحدة في اتفاقات التجارة الحرة التي أبرمتها النهج المشترك من خلال إدراج أحكام تنص علي عدم صحة التشجيع علي الاستثمار من خلال إضعاف الحماية التي تمنحها القوانين الداخلية المتعلقة بالبيئة والعمل أو الحد منها‏.‏

حتي البنك الدولي نفسه ينصح الدول النامية بعدم التوسع في منح الحوافز‏, ‏حيث لا يوجد في مبادئ البنك الدولي ما يوحي بأن علي دولة ما أن تزود مستثمرين أجانب بإعفاءات ضريبية أو حوافز ضريبية أخري‏.‏

والدول التي قطعت شوطا كبيرا في جذب الاستثمارات الأجنبية كانت ملتزمة بسياسة واضحة في عدم معاملة المستثمرين الأجانب معاملة تقل عن نظرائهم المحليين أو مستثمرين أجانب آخرين فيما يتعلق بالحوافز‏.‏

وقد أصدرت الولايات المتحدة قانون بمراجعات الاستثمارات الأجنبية المقترحة التي يمكن أن يكون لها تأثير محتمل علي الأمن الوطني الأمريكي‏.‏ كذلك فرضت حكومات كل من ألمانيا وكندا واليابان وروسيا والهند قيودا علي المشتريات الأجنبية للشركات والعقارات في بلدانها‏.‏ وطالبت منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي الشركات المتعددة الجنسية بالكف عن السعي للحصول علي إعفاءات في الدول النامية‏.‏

وتسعي أحكام اتفاقات الاستثمار الدولية إلي تعزيز‏'‏ الحوافز المراعية للتنمية‏',‏ عبر بنود مباحة تحفظ للبلد المضيف سلطته التقديرية في منح هذه الحوافز‏.‏ فعلي سبيل المثال‏,‏ يمكن التشجيع صراحة علي تقديم حوافز لنقل التكنولوجيا والمهارات‏,‏ من خلال جعل هذه الحوافز‏'‏ غير مسوغة للمقاضاة أو التعويض‏',‏ أي بتحصينها من المتابعة القضائية‏.‏لذلك نحن أم خريطة جديدة للاستثمار يجب أن تستوعب كل هذه المستجدات.‏

بقلم: 
نعمان الزياتي
المصدر: 
الاهرام الاقتصادى 30-5-2011