السعي بين الصفا والمروة

(إن الصفا والمروة من شعائر الله , فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما , ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم). .

هناك عدة روايات عن سبب نزول هذه الآية , أقربها إلى المنطق النفسي المستفاد من طبيعة التصور الذي أنشأه الإسلام في نفوس المجموعة السابقة إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار . . الرواية التي تقول:إن بعض المسلمين تحرجوا من الطواف بالصفا والمروة في الحج والعمرة , بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلين في الجاهلية , وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة . فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية .

قال البخاري:حدثنا محمد بن يوسف , حدثنا سفيان , عن عاصم بن سليمان:قال سألت أنسا عن الصفا والمروة قال:كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية . فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما , فأنزل الله عز وجل: (إن الصفا والمروة من شعائر الله). . وقال الشعبي:كان أساف على الصفا , وكانت نائلة على المروة , وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما , فنزلت هذه الآية .

ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية . والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآيات الخاصة بتحويل القبلة . ومع أن مكة قد أصبحت دار حرب بالنسبة للمسلمين , فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفرادا من الحج ومن العمرة . وهؤلاء هم الذين تحرجوا من الطواف بين الصفا والمروة . . وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل , ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم , هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية . إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية , وتتوجس أن يكون منهيا عنه في الإسلام . الأمر الذي ظهر بوضوح في مناسبات كثيرة . .

كانت الدعوة الجديدة قد هزت أرواحهم هزا وتغلغلت فيها إلى الأعماق , فأحدثت فيها انقلابا نفسيا وشعوريا كاملا , حتى لينظرون بجفوة وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية ; ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالا كاملا , فلم يعد منهم , ولم يعودوا منه ; وعاد دنسا ورجسا يتحرزون من الإلمام به !

وإن المتابع لسيرة هذه الفترة الأخيرة في حياة القوم ليحس بقوة أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس . يحس التغير الكامل في تصورهم للحياة . حتى لكأن الرسول [ ص ] قد أمسك بهذه النفوس فهزها هزة نفضت عنها كل رواسبها , وأعادت تأليف ذراتها على نسق جديد ; كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان !

وهذا هو الإسلام . . هذا هو:انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية , وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية , وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية . حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه . . فلما أن تم هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يقرر ما يريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى , مما لا يرى فيه بأسا . ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي . فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية ; ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام , تستمد أصلها من الإسلام .

وهنا نجد مثالا من هذا المنهج التربوي العميق . إذ يبدأ القرآن بتقرير أن الصفا والمروة من شعائر الله:

(إن الصفا والمروة من شعائر الله). .

فإذا أطوف بهما مطوف , فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله ; وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله . ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث ; وتعلق الأمر بالله - سبحانه - لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية !

ومن ثم فلا حرج ولا تأثم . فالأمر غير الأمر , والاتجاه غير الاتجاه:

(فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما). .

وقد أقر الإسلام معظم شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها , ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية , وربط الشعائر التي أقرها بالتصور الإسلامي الجديد , بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها]وسيأتي تفصيل هذا عند الكلام على فريضة الحج في موضعه من سياق السورة[ . . فأما العمرة فكالحج في شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج . وفي كلا الحج والعمرة جعل الطواف بين الصفا المروة من شعائرهما .

ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقا:

(ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم). .

فيلمح إلى أن هذا الطواف من الخير , وبذلك ينفي من النفوس كل حرج , ويطيب القلوب بهذه الشعائر , ويطمئنها على أن الله يعدها خيرا , ويجازي عليها بالخير . وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نية وشعور .

ولا بد أن نقف لحظة أمام ذلك التعبير الموحي: (فإن الله شاكر . . .). . إن المعنى المقصود أن الله يرضى عن ذلك الخير ويثيب عليه . ولكن كلمة(شاكر)تلقي ظلالا ندية وراء هذا المعنى المجرد . تلقي ظلال الرضى الكامل , حتى لكأنه الشكر من الرب للعبد . ومن ثم توحي بالأدب الواجب من العبد مع الرب . فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير , فماذا يصنع العبد ليوفي الرب حقه من الشكر والحمد ? ? تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحس بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال .

المصدر: 
فى ظلال القران