إباحة الطيبات والتحذير من متابعة الشيطان في الخبائث

بعد هذا يمضي السياق يدعو الناس إلى التمتع بطيبات الحياة , والبعد عن خبائثها , محذرا من اتباع الشيطان , الذي يأمرهم بالخبائث , والادعاء على الله في التحليل والتحريم بغير إذن منه ولا تشريع ; ويحذرهم من التقليد في شأن العقيدة بغير هدى من الله , ويندد بالذين يدعون من دون الله ما لا يعقل ولا يسمع . . وبهذا يلتقي موضوع هذه الفقرة بموضوع الفقرة السابقة في السياق:

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا , ولا تتبعوا خطوات الشيطان , إنه لكم عدو مبين . إنما يأمركم بالسوء والفحشاء , وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون . وإذا قيل لهم:اتبعوا ما أنزل الله قالوا:بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا . أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ? ومثل الذين كفروا كمثل الذي

 


AR-EG">يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171)

ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . صم بكم عمي فهم لا يعقلون). .

لما بين الله - سبحانه - أنه الإله الواحد , وأنه الخالق الواحد - في الفقرات السابقة - وأن الذين يتخذون من دون الله أندادا سينالهم ما ينالهم . . شرع يبين هنا أنه الرازق لعباده , وأنه هو الذي يشرع لهم الحلال والحرام . . وهذا فرع عن وحدانية الألوهية كما أسلفنا . فالجهة التي تخلق وترزق هي التي تشرع فتحرم وتحلل . وهكذا يرتبط التشريع بالعقيدة بلا فكاك .

وهنا يبيح الله للناس جميعا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالا طيبا - إلا ما شرع لهم حرمته وهو المبين فيما بعد - وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحل والحرمة , وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا , لأنه عدوهم ; ومن ثم فهو لا يأمرهم بخير , إنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل ; ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم , دون أمر من الله , مع الزعم بأن هذا الذي يقولونه هو شريعة الله . . كما كان اليهود مثلا يصنعون , وكما كان مشركو قريش يدعون:

(يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا , ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). .

وهذا الأمر بالإباحة والحل لما في الأرض - إلا المحظور القليل الذي ينص عليه القرآن نصا - يمثل طلاقة هذه العقيدة , وتجاوبها مع فطرة الكون وفطرة الناس . فالله خلق ما في الأرض للإنسان , ومن ثم جعله له حلالا , لا يقيده إلا أمر خاص بالحظر , وإلا تجاوز دائرة الاعتدال والقصد . ولكن الأمر في عمومه أمر طلاقة واستمتاع بطيبات الحياة , واستجابة للفطرة بلا كزازة ولا حرج ولا تضييق . . كل أولئك بشرط واحد , هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم عليهم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق . لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير لأنه عدو للناس بين العداوة . لا يأمرهم إلا بالسوء وبالفحشاء , وإلا بالتجديف على الله , والإفتراء عليه , دون تثبت ولا يقين !

(وإذا قيل لهم:اتبعوا ما أنزل الله قالوا:بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا). .

وسواء كان هؤلاء الذين تعنيهم الآية هم المشركون الذين تكرر منهم هذا القول كلما دعوا إلى الإسلام ,

وإلى تلقي شرائعهم وشعائرهم منه , وهجر ما ألفوه في الجاهلية مما لا يقره الإسلام . أو كانوا هم اليهود الذين كانوا يصرون على ما عندهم من مأثور آبائهم ويرفضون الاستجابة للدين الجديد جملة وتفصيلا . . سواء كانوا هؤلاء أم هؤلاء فالآية تندد بتلقي شيء في أمر العقيدة من غير الله ; وتندد بالتقليد في هذا الشأن والنقل بلا تعقل ولا إدراك:

(أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون).

أولو كان الأمر كذلك , يصرون على اتباع ما وجدوا عليه آباءهم ? فأي جمود هذا وأي تقليد ?!

ومن ثم يرسم لهم صورة زرية تليق بهذا التقليد وهذا الجمود , صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها , بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا تعني ! بل هم أضل من هذه البهيمة , فالبهمية ترى وتسمع وتصيح , وهم صم بكم عمي:

(ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء . صم بكم عمي فهم لا يعقلون)!

صم بكم عمي . ولو كانت لهم آذان والسنة وعيون . ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون . فكأنها لا تؤدي

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)

وظيفتها التي خلقت لها , وكأنهم إذن لم توهب لهم آذان وألسنة وعيون .

وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره , ويغلق منافذ المعرفة والهداية , ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة